عربي Français
الصور اليومية للمهرجان
كتيب المهرجان بالكامل
صور بانوراما
أصيلة السابع والعشرون
أصيلة السادس والعشرون
مهرجان السينما
ملتقى البحرين أصيلة
عمل اهل المدينة و انطلاقة التجديد في التشريع الاسلامي
نشرت في:  2006-08-23

بقلم الدكتور/ فريد بن يعقوب المفتاح
وكيل وزارة الشؤون الاسلامية
وعضو المجلس الاعلى للشؤون الاسلامية بمملكة البحرين

بحث مقدم لندوة "حركية التحديث في عالم الاسلام اليوم" التي تنظمها جامعة المعتمد بن عباد الصيفية في اصيلة في الفترة من 10 الى 12 أغسطس اب 2006 م.
الحمد لله و الصلاة و السلام على رسول الله و على اله و صحبه ومن والاه و بعد، فان التشريع الاسلامي عقيدة و عبادة و سلوكا يسند في مجمله الى مصادر أصيلة عمدتها الوحي بصورتيه القران الكريم و السنة المطهرة، ونظرا لما أجمل في المصدرين الاساسين من نصوص حكيمة وقواعد مرنة، فقد فتح الاسلام باب الاجتهاد في فهم النص ليفسح المجال واسعا أمام العقل لمزيد من التأمل في مقاصد الشريعة و غاياتها السامية، ومن هنا تعددت وتنوعت المدارس و المذاهب الفكرية و الفقهية و اللغوية، وكان اختلافها – في الأ عم الأغلب – اختلاف تنوع لا اختلاف تضاد، و قد أثرى هذا التنوع الفكري الاسلامي بعمومه اثراء منقطع النظيرو بات الاجتهاد و اعمال العقل أصلا من أصول التشريع، و نتج عن الاجتهاد مصادر أخرى فرعية انبتقت من فهم النصوص في المصدرين الرئيسيين، مثل القياس و عمل الصحابى و المصالح المرسلة و شرع من قبلنا و الاستصحاب، و غيرهما من الادلة التي استطاع الاجتهاد بلورتها لتعيين الفقيه و المجتهد على استنباط الحكم المناسب في الوقت المناسب ليتواءم مع حاجات الواقع و معطيات الزمن المعاصر، وبهذا يمثل الاجتهاد نقطة انطلاقة التجديد و التحذيث الفكري في الجضارة الاسلامية، و كان من أوائل من أطلق العنان لهذا الاجتهاد هو امام دار الهجرة الفقيه العالم المجتهد مالك بن انس رحمه الله تعالى، حيث استطاع رحمه الله ان يؤصل لفكر جديد و منهج حديث في التشريع الاسلامي باعتماده عمل أهل المدينة أصلا من أصول مذهبه، حيث يرى الامام مالك أن أعمال أهل المدينة تشريعية، وهي مقدمة على النص في مسائل و أحكام عديدة، و أفضل ما يدل على ذلك ما ورد في رسالته الى الليث بن سعد ( ت. 175/791) حيث ورد في الرسالة فتوى من الليث مخالفة لاعمال أهل المدينة، بعد مقدمة يسيرة قال فيها: " كل الناس تبع لأهل المدينة، اليها تمت الهجرة و فيها انتشر القران، فيها تم تحليل الحلال و تحريم الحرام، عاش بينهم الرسول (ص) و كانوا حاضرين لنشر الدعوة، اذا أمرهم أطاعوه و اذا نهاهم انتهوا، ووضع لهم السنة و اتبعوه، الى أن اختاره الله تعالى الى جواره (ص)، ( ترتيب المدارك، وقارن بابن أبي حاتم، الجرح).

و جاء بعده الذين اتبعوا نهجه، وهم الصحابة الذين اتبعوا نهجه، وهم الصحابة الذين اتبعوه عن قرب، عندما تعرض لهم مسألة يعرفونها، فانهم يلجئون الى معرفتهم في فهمها، و اذا لم يكن لهم بها علم فانهم يسألون غيرهم و يتبعون الذي انتهى اليه اجتهادهم عملا بسنة الرسول في حياته، اذا اختلف رأيهم مع أي شخص او كان رأيه أكثر صحة من أرائهم فانهم يأخذون برأيه المخالف لارائهم لصحته و قوة حجته، و اتبع من جاء بعدهم نفس النهج في التعامل مع السنة.
و بناء عليه اذا كان الامر ظاهرا بالمدينة معمولا به فان امام دار الهجرة يرى أنه ينبغي عدم مخالفة نهج أهل المدينة في فهم النص، لأن هذا النهج خاص بأهل المدينة و ليس لغيرهم الحق في نسبة الأعمال الى أنفسهم أو الى مدنهم كما هو جائز لأهل المدينة المنورة لكون هذه المدينة قد توفر لها من الخصائص و المميزات مالم يتوفر لمدينة أخرى، حيث توارث الرعيل الاول فهومهم الشرعية و تطبيقاتهم لها عن الصحب الكرام ثم التابعين باحسان و كان تواجدهم في كل طبقة – في المدينة- متواترا و سلاسلهم متصلة، فتوارث الابناء عن الاباء هذه الفهوم و التطبيقات، الامر الذي جعل الامام مالك يعتبر عمل أهل المدينة مصدرا من مصادر التشريع الاسلامي يجب الرجوع و المصير اليه.
و لا شك ان التجربة العظيمة في مجتمع المدينة و التعددية المعرفية التي لا يمكن لمدينة أخرى أن تدعيها على الرغم من مستوى التعليم الفردي العالي في المدن الاخرى. كانت هي حجة الامام مالك تجاه العراق و غيره من المدارس الاخرى في العالم الاسلامي في زمانه، حيث تظل المدينة المنورة مصدر هذا العلم، و المصدر الرئيسي مفضل على الفرعي. و لقد وجدنا مالك رحمه الله يصور هذا بالرجوع الى صحيفة ابن مسعود ( ت. 32/652 ) وهو من أكثر الذين تعلموا من علماء الكوفة في عصره، حيث أفتى بعض أهل الكوفة وبعدها ذهب الى المدينة ليجد أن الرضع في المدينة مختلف عن فتواه فكان أول ما فعله حين عودته الى الكوفة أن ذهب الى الشخص و أخبره بالحكم المدني الصحيح.
كما يرى الامام مالك رحمه الله وجوب اتباع جميع الاعمال المدينة أيا كان مصدرها الا انه قد فرق بشكل واضح بين أنواع الاعمال في المدينة و درجة التقيد بها.
و قد حرص رحمه الله على التفريق بين درجات التشريع للاعمال المختلفة، و أيضا فضل ترجيح أعمال أهل المدينة و لم يقل بأن كل أعمالهم تشريعية في مرتبة واحدة، و هذا واضح في مثل كيفية المسح على الخف الامر الذي اختلف فيه كبار علماء المدينة.
و يروي الامام رحمه الله ان اعمال اهل المدينة لم تركز على معارضة الاجتهاد المدني كمعارضة اجتهاد الاخرين بل ان الاعمال ذات الحجة القوية هي الفيصل في مسألة الترجيح اذا اختلفت النصوص، ورؤية الامام مالك رحمه الله ان الاعمال أكثر اتباتا من الحديث و في مقابلته مع أبي يوسف و النقاش الذي دار بينهم حول الأذان و مقدار الصاع و المد ما يتبث ذلك: ( قال ابو يوسف لمالك " انك تقوم باداء الاذان" ولكن لا يوجد حديث نبوي قولي بذلك، استدار مالك اليه وقال " سبحان الله" النداء للصلاة يتم هنا كل يوم خمس مرات على مرأى الشهود، و توارثه الأبناء عن الأباء منذ عهد الرسول (ص)، هل يحتاج هذا الى " نقل فلان عن فلان"؟ وفي رأينا أن هذا أصح من الحديث.
و سأله أبو يوسف أيض عن الصاع و قال مالك " خمسة أرطال و ثلث الرطل" قال يوسف " ما هو الأساس الذي بنيت عليه قولك"؟ قال مالك لبعض الرجال من المهاجرين و الأنصار أن أحضروا الصاع، فأحضر كل واحد منهم صاعا ورثه عن أبيه الذي كان من صحابة رسول الله (ص) قال مالك هذا هو الخبر الشافي و هو عندنا أصح من الحديث و قبل ابو يوسف قول مالك في ذلك.
و نقلت نصوص عن بعض الرموز تقوي وجهة نظر الامام بشأن اعتبار عمل أهل المدينة و تقديمه على الحديث مثل قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر: " و الله سوف أعاقب كل من يروي حديثا يتعارض مع الأعمال"، و كذلك قول ابن القاسم و ابن وهب " رأيت أنه عند مالك الأعمال أقوى من الحديث".

قال مالك: " رايت مرة محمد بن ابي بكر ابن عمر ابن حزم القاضي يوبخ أخاه عبد الله أحد علماء الحديث على اصداره حكما في قضية مخالفا لحكم الحديث قال عبد الله" ألم يكن الحديث قد جاء في هذا"؟ أجابه محمد أجل، قال عبد الله " اذا لم تصدر حكمك بناء عليه " أجاب محمد" و لكن ما هو موقع الرجال المعنيين به؟ قصد أن أعمال أهل المدينة أقوى حجة من الحديث، وقال ابن مهدي " السنة المشرعة عند أهل المدينة أفضل من الحديث.
قال ابن أبي حزم. " أبو الدرداء كان يسأل أسئلة و يعطي الأجوبة و اذا قال أحدهم " ولكن وصل الينا كذا و كذا" عكس لما قال به، فانه يجيب " أنا أيضا قد سمعت ذلك، و لكنني و جدت الأعمال مخالفة".
قال ابن أبي الزناد: " اعتاد عمر بن عبد العزيز على جمع الفقهاء و سؤالهم عن السنة و الاأحكام التي يعمل بها، ليتبث ما يعمل بها و يعفي غيرها حتى و ان كان مصدرهم موثوق به.
قال مالك: " عاد رسول الله (ص) بعد عدد من الغزوات مع عدة الاف من الصحابة، وتوفي عشرات الالاف منهم في المدينة و البقية تفرقوا في أماكن متعددة، فمن أحق باتباعه و التقيد به، هؤلاء الذين توفي الرسول (ص) بينهم أم هؤلاء الذين توفوا، أم هؤلاء الذين توفي بينهم واحد أو اثنين من صحابة الرسول(ص)؟.
قال عبد الكريم: "عندما توفي رسول الله (ص) بكته عشرون ألف عين". أي أن كل هذا العدد الذي يصل الى حد التواتر قد توارث العلم التطبيقي عن رسول الله صلى الله عليه و سلم؛ و قد تميزت بذلك المدينة.


من الضروري هنا التأكيد على أن الأعمال و الأحاديث ليست متعارضة، كما في تحليل القاضي عياض (ترتيب المتدارك): "الأعمال يمكن أن تسجل أو لا تسجل بأحاديث، و الحديث يمكن أن يسجل أو لا يسجل الأعمال، حيث أنهم متداخلين يأكدان بعضهما البعض، ولكن في حالة وجود تضارب فان الأعماللها الحجة الأقوى على الحديث على رأي مالك حتى و ان كان مصدر هذه الأحاديث ثقة، فمثلا الأذان القياسي في المدينة أو طريقة الوقوف لأداء الصلاة بارسال اليدين على الجنب أو بداية الصلاة من دون قول "بسم اله الرحمن الرحيم" أو مقدار الصاع و المد، هي مواضيع لم ترد بأحاديث ولكن أخذها الناس و فهموها من عهد النبي (ص)، بعض التطبيقات الأخرى وردت في أحاديث صحيحة تم نقلها.
يقول ابن قتيبة: الرأي عندنا أن الحقيقة تبين بالاجماع أكثر منها عن طريق رواية الحديث. الحديث عرضة للنسيان أو الخطأ أو عدم الدقة، أو الاختلاف المحتمل في التفسير، أو النسخ، أو أن ينقله شخص ليس من الثقات، يمكن أن يوجد أمرين كلاهما صحيح مثل "التسليم مرتين عقب النتهاء من الصلاة" و بالمثل يمكن أن يكون أحدهم حاضرا عندما أعطي الرسول (ص) أمرا و غاب عندما أخبرهم بفعل شيء مخالف فانه عندئد سينقل الأمر الأول دون الثاني، لأنه لا علم له بالثاني، وعلى كل فان الاجماع تعال من مثل هذا التغير لذلك فان مالك رحمه الله كان يروي الأحاديث عن الرسول (ص) ولكن يقول "الأعمال في مدينتنا كذا و كذا" يشير الى شيء مختلف عن الحديث، هذا لأن مدينته كانت مدينة النبي (ص) و اذا كان العمل في عصره هو كذا و كذا فانه سيكون نفس الأعمال للجيل اللاحق له و الجيل التالي و هكدا، لأنه من غير المعقول أن يتوقف الناس عن فعل شيء كانوا يعملونه في مدينته و في زمانه و يقوموا بفعل شيء اخر، وجيل عن جيل عدد أكبر بكثير من واحد من واحد. حقيقة فقد روى الناس أحاديث باسناد متصل صحيح ولم يعملوا وفقا لما جاء فيها.



ان الجدال حول الأعمال مقارنة مع الحديث هو امتداد للجدل حول ما يقصد بكلمة "سنة" الأمر الذي أدى الى وجود تشوش بين المذاهب سواء في الماضي أو الحاضر، بتسليط الضوء حول مسألة الحديث مقابل الأعمال فان اراء كلا من التقليديين "السلفيين" و المجددين عن السنة بالرجوع الى ما ورد سابقا يمكن اعتبارهما بصورة أساسية متشابهين بالرغم من معارضة أحدهما للاخر حيث أنهما يعتمدان على النصوص أحدهما بناحية ايجابية و الثاني من ناحية سلبية، وجهة النظر الثالثة الراجعة الى أهل المدينة القدامى ممثلة في موطأ الامام مالك، تبين منظور مختلف بصورة رئيسية في تاريخ الشريعة الاسلامية، حيث أن تعبير الشريعة الصحيح لم يحفظ في مجموعة كاملة من النصوص و لكن اعتمد على أعمال الرجال.
نرى في الموطأ أن المصدر الأساسي للأعمال تم ربطه بالسنة غير مرافق لها و لكن تم استبداله تدريجيا بالحديث من خارج المدينة، بدءا من العراق و من ثم انتشر في الأماكن الأخرى، الذي أعطي فيما بعد مسمى السنة ولكنه لا يمثل السنة اطلاقا. الأمر الذي بدأ في المدينة على أنه الأعمال المبنى عليها الدين"المقدمة من مالك" أصبح صنفا جزئيا في العراق بواسطة الامام أبي حنيفة و من ثم بواسطة الامام الشافعي، الى حيو وصولنا الى عهد الامام أحمد بن حنبل، الذي قال بأن وجود حديث ضعيف أفضل من عدم حديث على الاطلاق، و قال داوود الظاهري بأن القياس لا جدال عليه ووصلنا الى دين مبني على الحديث النص. و هذا بصورة واضحة لم يكن رأي مالك في القران و السنة الذي قال بأن الأعمال أكثر حجية.
ان أهمية الموطأ ليس فقط في أنه أول تركيبة للتشريع الاسلامي، ولكنه أيضا أول من دون هذا التشريع على أساس معاصرته للحياة في المدينة وليس على أسس نظرية. في الموطأ نرى الأحكام لا تستمد فقط من النبي (ص) أو الخلفاء الراشدين أو كبار الصحابة و لكن من الخلفاء التابعين، و أكثر من ذلك أنه يقدم التشريع الاسلامي و القانون قبل حدوث التغيرات الرئيسية التي أحدثها مذهب الامام الشافعي،
باصراره على ترجيح تشريعات سنة النبي (ص) التي بها نصوص حديث على الفكرة السابقة و هي ترجيح الأعمال على النصوص الأمر الذي أدى الى اهتمام واسع بالحديث في القرنين الثالث و الرابع الهجري.
دون مالك رحمه الله في الموطأ الحديث الذي قال فيه النبي (ص) ((لقد تركت فيكم أمرين ان يمسكتم بهما لن تضلو، كتاب الله و سنة نبيه)).
يوضح الموطأ أن التشريع الاسلامي كما كان يمارس في المدينة في القرن الثاني الهجري هو في الحقيقة مبني على كتاب الله و سنة نبيه(ص)، ولكن تم نقلها بالأعمال و ليس بالحديث.


و من هنا يتبين لنا أن الامام مالك رحمه الله هو صاحب النقلة النوعيو الأولى في تاريخ التشريع الاسلامي، حيث وضع منهجا و معيارا و مصدرا جديدا للفتوى و الحكم الشرعي و اعتبار أعمال أهل المدينة أساسا في اصدار الحكم الشرعي الفقهي ولا شك أن هذا نوع من التجديد لم يسبقه اليه أحد.
و بهذه المنهجية استطاع الامام مالك أن يضع اللبنة الأولى للتجديد باضافة مصدر جديد للتشريع و هو عمل أهل المدينة، مما يعد عملا اضافيا جديدا توصل اليه باجتهاده و باعمال عقله من حيث امكانية التحديث في منهجية التشريع حتى في تعدد المصادر في التشريع والفكر الاسلامي بعامة، كما استطاع أن يوصل الى هذا النوع التجديدي في الاجتهاد.
و لقد أخد العلماء و المفكرين و الذين وصفو برواد التجديد بمسلك مالك رحمه الله و استطاعو أن يجعلوا من مبادئه أصلا في التجديد و المعاصرة في الأحكام التشريعية لتوافق الزمان و المكان و يحقق مصالح العباد و المجتمعات بمواكبة التشريع لحاجات الزمن و مسايرته لمعطيات الواقع المعاصر.

وكتبه؛ د. فريد بن يعقوب المفتاح
وكيل وزارة الشؤون الاسلامية
وعضو المجلس الأعلى للشؤون الاسلامية
بمملكة البحرين

[أعلى ]
عدد زوار اليوم: 883، الأمس: 980. الإجمالي: 3,078,147 والمتواجدون الآن: 76