من إعلام السلطة إلى سلطة الإعلام في العالم العربي نشرت في: 2006-08-23
مداخلة الصحافي والكاتب عبد الصمد بن شريف
موسم أصيلة الثقافي الدولي الثامن والعشرين
جامعة المعتمد بن عباد الصيفية
الدورة 21
ندوة الإعلام في العالم العربي والتواصل مع الآخر (من 17إلى 19 غشت/آب2006)
من إعلام السلطة إلى سلطة الإعلام
في العالم العربي :
إكراهات التغيير
ومتطلبات الجمهور
-الإعلام العمومي المغربي نموذجا-
عبد الصمد بنشريف
صحافي وكاتب مغربي
شكلت وسائل الإعلام منذ أن أدركت قيمتها الوظيفة أداة خطيرة وحاسمة في يد الأنظمة السياسة والتجمعات الإعلامية الضخمة،ولذالك لم يكن من السهل ولا من المتوقع أن تقدم الأنظمة تنازلا،يفسح المجال أمام إمكانية إعطاء الكلمة لمن يعارضونها،أو يدورون في فلك يعاكس مجراها،والأدهى من هذا أن الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي في العديد من البلدان،وخاصة العربية،غالبا ما كان وهميا،ومفترضا لأنه كان موجودا في وسائل الإعلام فقط.
هذه الوسائل/ الوسائط،أبدعت أيما إبداع في تنظيم التعتيم،وتسويق مشاعر الهدوء العام،والانسجام بين المواطنين واجهزة الدولة،وبيد أن العواصف السياسية ،والرجات الديمقراطية،التي ضربت أنحاء مختلفة من العالم ،خلقت وقائع،وواقعا جديدا،بات معه من الصعب أن تستند لوسائل الإعلام،نفس الوظائف الميكافيلية،وفرض علي الأنظمة السياسية،خاصة في العلم النامي والأطراف المرتبطة به،أن تغير سلوكها ومقارباتها،وذلك بإعلان قدر من القابيلة والاستعداد وسط الشعوب،وأذكت لديها الرغبة في أن يكون لها موقع في أجهزة الإعلام،لاأن تبقي مجرد عنصر سلبي محايد ومنذور للاستهلاك والاستسلام.
1
ويجوز القول هنا إن وسائل الإعلام لعبت دور المنقذ المحرر،للأنها بقدرتها وقوتها الضاربة،ساهمت الى حد كبير كبير ،في فك العزلة عن شعوب طحنتها آلة الحجز، والقمع والتغييب،ومن مراكز صناعة القرار،والإشراك السياسي والمؤسساتي.
ونحن في المغرب،وبالنظر الى تراكم نسبي،في مجال التعددية السياسية والإعلامية،مقارنة مع بعض الدول العربية،يبدو المشهد جريئا الى حد ما ،والاشارة هنا الى الإعلام الرسمي الحكومي،الذي سبق له أن فتح نوافذ ضوء في فترات تاريخية معينة،لكن هذا الفتح أو الانفتاح ،اذا صح التعبير ،كان رغبة مزاجية ،ولم ينبع من ارادة سياسية لتدشين النقلة الإعلامية الضرورية واللازمة، لتجسيد واقع التعددية،ونقل تفاعلات المجتمع،في كل تجلياتها ومستوياتها،بل اللافت للنظر هو أن التحديث السياسي والاقتصادي ،يتم أو يتم الآن بسرعة وايقاعات تفوق التحديث الإعلامي، فبامكاننا أن نتحدث الآن عن التعددية والحداثة واليمقراطية،وثقافة الحوار والمصالحة مع الماضي والتسامح،والشفافية والتراضي،والتوافق واللأخلاق والجرأة والسياسة ،أي كل ما له علاقة بالممارسة الديمقراطية ،ونفس الشيءينسحب على المجال الاقتصادي،اذ أصبحنا الآن أمام ثقافة جديدة بكل المقاييس، وأمام قيم لاعهد لنا بها من قبل ،وفي مواجهة مقاربات وآليات في التحليل والتصور ،تفوق وتتفوق على معطياتنا الواقعية والملموسة،أما المشهد الإعلامي العمومي ،بتلفزاته واذاعاته،فانه أبقى على مناعة سميكة خشية،أن تخترقه رياح التغيير ،رغم التي صيغت ،والشعارات تاتي رفعت ،والتي يبدو ظاهرها منحازا للمهنية والموضوعية والكفاءة والجودة.
والملاحظ أن حالة من المد والجزر تهيمن علي التقاليد والإعلامية الرسمية في المغرب وغيره من البلدان العربية،فأحيانا نجدمساحة لايستتهان بها من الجراة،في تناول قضايا دقيقة ومصيرية ترتبط بهموم اللأمة برمتها ،وأحيانا تنتصب أمامنا موانع وحواجز،وتراجعات غير مفهومة،وكأن واقع الحال يقول إن الإعلام وخاصة التلفزيون،سلاح خطير ،واداة تحريض قد تدفع المتذمرين لمجرد وقوعهم تحت تأثير سلطة الصورة ،إلىالانفجار والهيجان.
ولنبقي في اطار الحديث عن التحديث،لنشير الى أن اقتناء وجلب آليات وتجهيزات تكنولوجية جديدة،وتداول مصطلحات الإنترنت والأنظمة الرقمية، في البث والانتاج والتوضيب، والطرق السيارة للإعلام أو الميلتي ميديا ،هو بمثابة اندهاش أمام زمن تكنولوجي زاحف،وسريع التطور.
وهنا نتساءل بكل صراحة ،هل بمقدور الأداة التكنولوجية ،مهما بلغت ثوريتها وفعاليتها،أن تجعل من الوسيط الإعلامي ،قوة ضاربة ووسيلة للتغيير والتحديث،بكل تأكيد الجواب هولا،لأن المهم والأساسي هو أن تكون العقلية التي تتحكم تمويليا واداريا وتدبيريا،مستعدة لتطليق العادات البائدة والعتيقة،في الممارسة الإعلامية،وأن تكون مدركة ومتمثلة،لحيوية وأهمية الرهاناتالمعقودة على الإعلام،وفي المحل الأول التلفزيون،لأنه الوسيط الإعلامي الأقوي،والأسرع انتشاراوتغلغلا،في أوساط الجمهور ،على اختلاف شرائحه وأذواقه ونزوعاته،ودون الربط بين الفعالية والانتاجية البشرية،والفعالية والانتاجية التكنولوجية،يتعذر علينا أن نقدم منتوجا إعلاميا عموميا جيدا،له القدرة على الإقناع والصمود،في وجه المنافسة الدولية،أضف الى هذا،لايجب أن نخلط بين التدبير المالي والاداري والتدبير الإعلامي ،لأن المسافة القائمة بين الجانبيت،ولو إجرائيا،تمنح لكل جانب استقلاليته النسبية، وهويته، وكيانيته في العمل والإبداع والإتيان باجيد،الصالح للبقاء.
لنعد سنوات الى الوراء،وتحديدا الى المناظرة الوطنية الأولى للإعلام والإتصال، التي انعقدت عام 1993،في الرباط.
4
فهذه المناظرة وما اكتنفها من طموحات وأحلام،وما طبعها من لغات وخطابات واعدة ،شكلت وقتئذ بطارية لشحذ الهموم والعزائم،لدى عموم الإعلاميين والتصاليين،وعقد الجميع أما لاعريضة على توصياتها ولجانها،لكن مر حتى الآن أكثر من عقدعلى هذا الحدث،ولم تترجم توصيات واحلام تلك المناظرة،إلى واقع ملموس ،وكأن الأمريكان لا يعدو أن يكون مهرجانا لفرح إعلامي مؤقت وعابر.
اليوم،وقد حدثت أحدث وحصلت تحولان،وانبثقت في المشهد الوطني المغربي،ومعطيات وثقافات مغايرة،لم يعد من المنطقي في شيءأن يبقى الإعلام العمومي المغربي ،بكل مكوناته،سجين النظرة الأمنية الضيقة،فلا الهاجس الأمني بمستطاعه أن يحصن المجتمع ويؤمن الاستقرار،ولاالمقاربة الجامدة أحيانا،بمقدورها أن تساهم في تطوير وارساءقيم ديمقراطية،وسلوكات ثقافية وسياسية وحداثية.
إن الإعلام العمومي المغربي ،ومعه الإعلام العربي،مطاب بأن يتمرد على ذاته،وأن يطلق نزعة الإخفاء والتستر،وأن ينظر الى ما يدور في محيطه الوطني الإقليمي والدولي ،فالكاميرا تفضح ذاك الذي تريده الأنظمة ان يظل مكتوما،ومتطلبات الجمهور تحتم على وسائل الإعلام نقل الحقيقة ورصد
5
الواقع،وتسجيل الأحداث،كما تقع على الأرض،في إطار تأمين الحق في الوصول الى الخبر،إضافة الى هذا،الانقلاب الجذري في التقاليد الإعلامية الدولية ،يدفعنا الى اعادة الاعتبار للمضمون والشكل، والبحث عن طرق جديدة في التدبير والتسيير ،بهدف حشد أسباب وشروط مجتمع الإعلام والمعرفة التقنية ،وجعل الطريق سالكا أمام اقتصاد الإعلام،سيما في ظل ما أصبح يعرف بالعولمة،والقرية الإعلامية الكونية.
وإذا استحضرنا في هذا السياق خصوصيات المجتمع العربي وما يميزه من فوارق ومسافات في الداخل والمعرفة، وفرص تحسين الوضع الاجتماعي، فإننا لا يمكن إلا إن نضاعف من التفكير والتأمل، والتيه واليأس وعدم الانتماء، وفقدان الثقة، وإذا ما تظافرت الجهود وتركزت على صياغة استراتيجية لتحقيق التحول الإعلامي، على غرار التحول الديمقراطي المنشود، لمواجهة تحديات القرن الواحد والعشرين، وهذا الاستعداد يتطلب أن تنخرط وسائل الإعلام العمومية، والتلفزيون بشكل رئيسي، في الحياة اليومية بكل تفاصيلها، واْن يتفاعل مع مجمل المظاهر، التي تشكل الجوهر المجتمعي.
6
ولكي يتحقق هذا المطلب، لابد من إفساح المجال أمام الحرية في الإبداع والتعبير، وإعداد البرامج الوثائقية، لتدوين الذاكرة العربية، سياسيا وثقافيا واقتصاديا واجتماعيا، ولابد من الانكباب على تحليل وتفسير الحدث العربي، بكل موضوعية ومهنية، من خلال برامج حوارية، ولابد كذلك من تفعيل مبدأ التعددية، لكي لا تظل شعارا للاستهلاك المجاني.
الملاحظة الأخرى التي نريد تسجيلها في السياق، هي إن المواطن المغربي يعيش ألان على إيقاع فترة سياسية جديدة، من شانها إن تطلق إشارات ومبادرات، لتحسين الأداء الإعلامي، وتحدياته وفق ما ستلزمه الواقع المحلي والدولي، ولا يعقل إن نتباهى بالحديث عن فضائيات مغربيات، فيما أن ما تقدمه من انتاجات ، لاصلة له بعمل وأداء الفضائيات ، وإنما رغبة في تطوير عملها وتأهيلها لخوض المنافسة ، وإقناع المشاهد المغربي في الخارج ، والمشاهد العربي ، بالتعاطي معها ، وعدم الإحساس بالضجر أتناء مشاهدة برامجها .
تأسيسا على كل ما سبق، ينبغي أن نقيم تواصلا حقيقيا مع الرأي العام الوطني في العالم العربي، وان نرسم له أفاقا واعدة بالعطاء والجودة والموضوعية، وان لا يبقى الحديث عن الثروة التكنولوجية والحداثة
7
الإعلامية، وتوابعها، مجرد انتشاء ذاتي، وخطاب يعرض في المناظرات والصالونات، بل لابد من أن تهيئ.المجتمعات لتكون هي التي تتقن التحكم في هذه التكنولوجيا، وهي التي تستفيد منها ،ولا فائدة من تداول هذه المصطلحات في وضعية اجتماعية تخترقها نسبة أمية لغوية،تصل في بلدان عربية عديدة،الى أكثر من 60في المائة،فلا مناص من إعطاء اللغة العربية والأمازيغية ،في بلدان المغرب العربي ،ما تستحقه من أهمية وأولوية،عوض تسطيحها وتهميشها،مثل ما يحدث في البرامج الاقتصادية في تلفزتنا،وكأن هذه اللغات عقيمة وقاصرة.
فلا احد يوجد خارج الإعلام ،ولا احد يوجد على مسافة منه،فالكل يشكل طرفا فيه،لأنه ليس أداة حيادية غريبة على الذات الفردية والجماعية ،إن الإعلام يخلط بكيفية خطيرة بين القيم والمصالح ،والمثل والإيديولوجيات. ولاشيء يضمن،خصوصا في لحظة الانتصار التقني والاقتصادي ،أن مثل إعلام الأمس،ستندرج في منظومة اعلام الغد.لأن الإعلام هو في الأصل تجربة أنتروبولوجية أساسية،فأن تتصل،يعني أن تقيم علاقة تبادليةمع الآخر، فليست هناك حياة فردية أوجماعية بدون اتصال،ان الإعلام يتقاطع مع السياسة بسبب العامل الديمقراطي.
8
الذي يعترف بالمساواة بين جميع الناس.
ومن هذا المنطلق،واستنادا الى الإعلان العالمي لحقوق الإنسان،والعهد الدولي المتعلق بالحقوق المدنية والسياسية،الضامنين للحق في التعبير والإعلام،وبالنظر أيضا للوعود التي أطلقها السلطات الرسمية المغربية،في أكثر منمناسبة،والقاضية بإصلاح الإعلام العمومي،وتكريسا لحق المواطن في أن يتمتع بإعلام عمومي شفاف ومتفتح،فإن الهيئات النقابية المهني،بما في ذلك،النقابة الوطنية للصحافة المغربية،وعدد من تنظيمات المجتمع المدني،من كتاب وحقوقيين،وفعاليات نسائية وجمعوية،سبق لها أنبادرت الى صياغة مشروع مذكرة حول دمقرطةوسائل الإعلام جماهيرية،تتمتع باستقلاليتها المهنية،وانفتاحها على كل الآراء،وقدرتها على تطوير الطاقات والإبداعات الوطنية،والاندماج في الثورة التكنولوجية.
وسجلت هذه الفعاليات مواقف واضحة وصريحة،إزاء استمرار احتكار الإعلام العمومي من قبل الدولة ،حيث تتحكم بصورة مطلقة في شتى مرافقه، و مؤسساته، و لا تسمح بأي مشاركة ديمقراطية في تسييره، و لاحظت كذلك، سيادة توجيه فوقي ذي طابع سلطوي رسمي، متخلف يطغى عليه طابع الجمود و انعدام المبادرات المهنية، و لا يسمح
9
باﻹنفتاح، ﺇلا بقدر مخدوم و مدروس و موجه.
ﺇن المطالبة بالتخلص من ﺇعلام السلطة لتأسيس سلطة اﻹعلام، في المجال العمومي، رهين بتوفير محددات أساسية، تبدأ من اقتناع الدولة، كممول و كمحتكر لﻹعلام العمومي، بالوظائف و الأدوار الحيوية التي يمكن أن ينهض بها هذا اﻹعلام، و المتمثلة في ﺇشباع الحاجيات الجماعية و عرض كل القضايا، سياسية و ثقافية و اجتماعية و اقتصادية دونما ﺇيلاء أهمية مبالغ فيها لهاجس الربح و المردودية المالية، أو الوقوع في مخالب الهاجس الأمني، كما ان رسالة اﻹعلام العمومي، لا يمكن أن تتحقق و تتجسد دون ﺇشاعة ثقافة و قيم المرفق العام، الذي يرتبط بترسيخ المضامين الجادة و الجيدة، و تعزيز مفهوم القرب اﻹعلامي، من خلال التقاط نبضات المجتمع، و مساءلة مشاكله و انشغالاته الكبرى، بمنأى عن الديماغوجية، و غسل الأدمغة، و صناعة الخضوع و اﻹذعان، الشيء الذي يؤدي ﺇلى غياب التأثير في المتلقي، و فتح الباب على مصراعيه أمام انبثاق أزمة ثقة من خلال زرع عوامل الشك، حتى في الرسائل التي من المفترض لها أن تتوفر على الحد الأدنى من المصداقية
10
و ﺇذا حظرت هذه المواصفات فﺇننا سنجد أنفسنا أمام تبادل غير متكافئ
بين المواطن المتلقي، و بين مؤسسات اﻹعلام الرسمي، بصيغة تغدو معها عملية الاتصال، و كأنها تندفع في اتجاه واحد.
و ﺇذا كانت الرؤية الرسمية للتلفزة العمومية، تتأسس على ما يمكن أن يلعبه هذا الوسيط، من دور في تثبيت الوحدة الوطنية، و ركائز الدولة، وفق منظور لم يتحرربعد من ترسبات سنوات الجمر و الرصاص اﻹعلامي، فﺇن تلفزيوناتنا لم تفلح في الاقتراب من عتبة التلفزات الوطنية، على غرار ما هو عليه الحال، في القنوات العمومية القائمة على مبدأ المرفق العام، كما هو الشأن في فرنسا و بريطانيا.
و رغم ما عقد من آمال على حكومة التناوب السياسي في المغرب، التي قادها الاشتراكي عبد الرحمان اليوسفي، ﻹحداث نقلة نوعية و رجة قوية، في التشريعات و القوانين لعصرنة اﻹعلام العمومي، و تحريره من عقلية التشكيك و الرقابة و الخوف، و رغم ما بذلته الحكومة الحالية من جهود على المستوى التشريعي و الهيكلي، فﺇن الواقع أنتج وضعية محبطة لكل الكفاءات و الفعاليات، التي كانت تتطلع ﺇلى مثل هذه النقلة، لأن النضام السياسي المغربي بمختلف مكوناته، لم يتمكن حتى الآن من
11
التخلص من العقلية التقليدية التي ينظر بها ﺇلى الصحافة و الاعلام، كمجرد بوق يردد صدى لما يبتغيه و لما يخططه له، خاصة في مؤسسات اﻹعلام العمومي، و في مقدمتها التلفزيون.
فإذا كان الطفل هو الذي يقبل باﻹيحاء، أكثر من الشخص الراشد، فهناك مؤسسات تسعى دوما ﺇلى أن تبقينا أطفالا، لنخضع ﻹيحاءات السلطة و نزواتها.
و الملاحظ أن هناك مراهنة قوية على أن القانون المتعلق بﺇعادة هيكلة المجال السمعي البصري في المغرب، الذي صادقت عليه السلطات المغربية، سيشكل لبنة قوية و وسيلة ايجابية، لتعميق المسار الديمقراطي في البلاد، و تكريس دور وسائل الاعلام في البناء الديمقراطي، كما أن رفع احتكار الدولة عن الاعلام، و افساح المجال أمام المبادرة الخاصة، من خلال منح 10 تراخيص انشاء اذاعات جديدة خاصة، و فضائية تلفزيونية وحيدة، يعتبر لدى الكثيرين، نقلة نوعية، و تحولا ﺇيجابيا، في المشهد اﻹعلامي المغربي، ما يعني فتح الباب في وجه المنافسة، و الاحتكام ﺇلى معيار الجودة و الكفاءة و ﺁليات السوق.
و لكن هل يكفي ﺇصدار قانون، و ﺇنشاء هيئة عليا للاتصال السمعي –
12
البصري، لخلق ممارسة ﺇعلامية ذات صدقية، تتماشى مع ما ينتظره المجتمع المغربي، الذي يعيش في قلب العولمة اﻹعلامية، و له من الاختيارات ما يمكنه من عقد مقارنة بين الجيد و الرديء.
المسألة التي يجب أن نستنتجها، هي أن اﻹعلام كيف ما كانت طبيعة المجتمع الذي يشتغل فيه، هو سلطة أو وسيلة من وسائل الاحتواء، و أداة للتعبئة و التحكم و الضبط، ﺇذن لا غرابة ﺇذا لاحظنا تركيز السلطة أو النظام السياسي في المغرب و باقي البلدان العربية، على اﻹعلام، و تدخله في توجهات هذه الجريدة أو تلك، أو ربما دعم الشخص المساند له، أو المدافع عن أطروحاته، فهذه المور تدخل في نطاق رغبة السياسة و خيارها، ليبقى الاعلام تحت رحمتها و مظلتها، و خاضعا لتوجهاتها و ﺇملاءاتها.
و لا يشذ اﻹعلام العمومي السمعي – البصري، عن هذه القاعدة، و حتى لا ينفلت المجتمع من عملية التحكم و الضبط، بخاصة ﺇذا ما اخترقته درجة الوعي، و حركية سياسية، و دينامية اقتصادية، و نسبة من الوعي الثقافي، و قيم جديدة تتجه نحو الحداثة و الانفتاح، فﺇن السلطة تمرررسائلها عبر وسائل الاعلام، و تتواصل و تتخاطب مع المجتمع
13
عبر هذه الوسائل، و هي بذلك تتحول من أداة للأخبار و ﺇطلاع الرأي العام، على ما يحدث في المجتمع، على المستوى الاقتصادي و السياسي و الرياضي و الثقافي، أو ما يحدث خارج التراب الوطني، من وقائع و تفاعلات، الى أداة لخدمة السلطة في المؤسسات.
ففي وقت نطمح فيه الى النموذج الاعلامي، الذي يتعاطى مع الوقائع بشكل مستقل أو متجرد، و بنوع من المهنية، نجد مفارقة غريبة، ذلك أن السلوك السياسي الرسمي يخلق فجوة بين ما يتطلع اليه المجتمع، و بين الشعارات المرفوعة.
و عندما تحضر الدولة بﺇكراهاتها و بمتطلباتها، و بدفاتر تحملاتها، تكثر الممنوعات، فالدولة تعتبر نفسها الممول الرئيسي للتلفزيونات العمومية، لكن الحقيقة أن التمويل يأتي من جيوب الشعب، لأنها تتحكم في الأنشطة التلفزية، فمثلا، كان من الممكن افتتاح نشرة الأخبار بحريق مهول، أو باحداث اجتماعية، أو بواقعة سياسية، باعتبار أن هذه الأحداث تشغل بال الرأي العام الوطني، و ما يقع هو حجب تلك الأخبار، و ربما قد لا تبث بتاتا. لماذا؟ لأن الدولة تتدخل، ليس بذلك المفهوم المجرد، بل الدولة، و ما يوازيها، و يدور في فلكها، أشخاص، شركات، جماعات
14
الضغط، و مصالح مالية، لذلك حصل تراجع كبير تكرس من خلال عدم ايلاء الأهمية للقضايا الاجتماعية، و غياب الجرأة في تناولها، أو خلقت بدائل للترفيه، غير مزعجة، و لا تثير الجدل.
و هذا شيء طبيعي نظرا لحضور الهاجس الأمني، وفق منظومة المصالح و ﺇشراف أجهزة الدولة، و لكي لا تنفلت أي جهة أو قناة أو مؤسسة، من آلية الضبط، و حتى يكون هناك نوع من التناسق و الانسجام و التناغم، فانه لا غرابة في أن تتقاطع،على سبيل المثال، القناة الثانية المغربية مع القناة الأولى، في كثير من أسئلتها انشغالاتها، وتناولانها الإعلامية، بل وتتفوق القناة الثانية على شقيقتها في ما يتعلق بتغطيتها لكثير من الأنشطة الرسمية، وإبراز الشخصيات التكنوقراطية،او الاقتراحية التي تسير البلاد.
من المؤكد ان الصحافيين لن يغيروا العالم، لانهم ببساطة ليسوا ثوارا يحملون أسلحة، بل هم فقط حملة افكار واقلام، ولديهم تصورات وثوابت، ومنطلقات ومبادئ، يحاولون عبرها خلق نقاش هادف، وبصوت مرتفع، ويحاولون طرح تساؤلات، لكن خندقهم اصبح عبارة عن حقول من الألغام، بالنظر الى الخطوط الحمراء،الخفية والمتجلية،التي تلغي الحس الاعلامي، وتحول المؤسسة الاعلامية الى مجرد جسد بلا روح.
15
الإلتباس الحاصل ألان، في التعاطي مع المؤسسات الاعلامية الرسمية، هو انك لاتعرف مع من تتعامل، هناك مسؤولون يحكمهم المزاج بدل معيار المهنية، فعلى سبيل المثال، يستضاف مسؤول معين من دون قيامه باي نشاط يذكر، واذا شنت احدى المركزات النقابية اضرابا ما، لاتتم تغطيته، كما لايسمح لزعيم سياسي يفترض فيه انه مصنف غي باب المعارضين للسياسة الرسمية، فانه لايستدعي الى استوديوهات التلفزيون، للتعبير عن وجهة نظره.
هذه الممارسة معيقة للانتقال الديمقراطي، لانه في الوقت الذي نجد فيه دولا نامية تشهد تقدما على المستوى الاعلامي، فان المغرب يحقق المغرب تراجعا على المستوى، ولا يرفع المثقفون صوتا، ولا يتحدث السوسيولوجيون وعلماء السياسة عن هذه الانتكاسة غير المبررة سياسيا وسياقيا.
الظاهر ان مسالة التدبير الاعلامي في المغرب يحكمها بعد سياسي ومصالح متداخلة،لذلك لاغرابة في أن تكون للدولة جماعات ضغط ومصالح،وأن تتدخل بشكل مباشر لتحديد خط تحريري، ينسجم مع الأهداف التي تتوخاها،وان كان الحديث عن خط تحرير واضح ومهني،في الحالة
16
المغربية ،أمر غير وارد،حتى الآن.وهذا الإشكال مطروح حاليا بحدة في الحقل الإعلامي المغربي ،إذ يشدد قطاع عريض من الصحافيين على الحاجة الى عقل تدبيري جديد وحداثي ومستقل،في تفكيره،لتكريس ميثاق التحرير،الذي هو في آخر المطاف مجموعة من المبادىء والآليات،التي تنظم علاقة المؤسسة بالجمهور،وتحترم وعي هذا الجمهور،عوض استغبائه،وتحويله الي قطيع فاقد للنقد،وحشود مستسلمة وتعوزها القدرة على التميز،بين الإيجابي والسلبي.
والملاحظ أنه كلما كان هناك غموض في العلاقة أوإلتباس،استغلت السلطة هامش المناورة،لتتصرف بوسائل الإعلام كما تريد،ويتراجع مستوى المنتوج الإعلامي،وعلى ما يبدو ،فإن كثيرا من المسؤولين في المغرب ،يحبذون هذا النهج ويصفقون له،سيما أن المؤسسات الإعلامية في المغرب ،أدوات تقوم بمجموعة من الوظائف والأدوار،تضبط المجتمع، وتقيس درجة الحرارة السياسية.
الوجه لآخر للإشكال،يتمثل في غياب رأي عام وطني،وازن ومنظم في معظم المجتمعات العربية ،ومن بينها المغرب،يعي حقوقه ويدرك واجباته،ويعرف متى يتحرك،ويرفع صوته،ولحماية مؤسسة أو الدفاع عن
17
حق،أو الوقوف في وجه قرار مجحف،أو سلوك يسعى الى إضفاء الشرعية على الفساد والتسيب واللاكفاءة.
لاأدري هل اتنبهت الأحزاب والنقابات ،والجمعيات المدنية والنخب الثقافية ووسائل الإعلام،الى أن غياب رأي عام مؤثر في العالم العربي،وكانت له عواقب وخيمة على عمل الدولة،وسير المؤسسات،وعلى نوعية القيم التي تم تسويقها عبر وسائل الإعلام الرسمية ،وعبر قنوات أخرى،وهذا الغياب ساهم الى حد بعيد،في انتاج كثير من المؤسسات المشلولة ،التي لاتقوم بدورها كما يجب،وغذى الى جانب ذلك،علاقات متخلفة،ترهن البلاد للمصلحة الفردية الضيقة،مادام أنه ليس من حق أحد أن يحاسب أو يسائل.
ويبدو ان من أوجب الواجبات الاعتراف،بأن تقصيرا لاغبار عليه حصل تجاه مهمة صياغة وصناعة رأي عام عربي ،فاعل وديناميكي.ومن هنا تطرح حيوية وآنية إعادة الاعتبار لهذه المهمة التاريخية،لأنه لايمكن تصور نجاح مشروع ديموقراطي وحداثي،كما هو متداول الآن،ولانهوض دولة قائمة على المؤسسات،ومبدأ الحق والواجب،إذا لم يكن هناك رأي عام،يحمي هذه المؤسسات وسند هذه الدولة.
ولا ينبغي لصناع القرار السياسي والأمني،أن ينظروا الى مفهوم وسلطة
18
الرأي العام،على انه خطر أو إعصار إجتماعي يهدف الى زعزعة الاستقرار.بل يبقى الرأي العام في المحصلة النهائية،جدارا أمنيا يصد ويرد الهجمات التي يمكن أن تطال حقوقا أو مكتسبات أومؤسسات أو ثوابت،وعليه فإن الرأي العام إذا كان منظما ومهيكلا وواعيا ومسؤولا،فبمقدوره أن يشكل ركيزة أساسية لدولة الحق والمؤسسات.
وفي المقابل،لايمكن اعتبار عملية «التوليد القيصرية» لرأي عام مناسباتي،بديلا لما ذكرنا،لأن المسألة هنا لاتعود أن تكون مزاجا،ونزوة عابرة،تحكمها جملة من الاعتبارات والمقتضيات والحسابات.